الرقاية والكتاب-فتحي البس 2009-17-10
ورقة مقدمة الى رابطة الكتاب الاردنيين
21-5-2009
الكتاب والرقابة
يعتبرالكتاب أحد أهم اوعية المعرفة إن لم يكن الأهم.انه وسيلة للمتعة وللتعلم ونشر الأفكار والرؤى ونتاج العمليات الذهنية للإنسان. إنه المنتج المادي لكل العمليات الذهنية بما في ذلك الاحاسيس والمشاعر. إنه الإنسان، روحا وثقافة ومعرفة وحضارة، وبالتالي، لا يجوز محاصرته أو منعه أو مصادرته، استنادا إلى الاعلان العالمي لحقوق الإنسان ولنصوص الدستور الأردني.
تنص المادة "3"من قانون المطبوعات والنشر الساري المفعول رقم 8 لعام 1998 والذي الغى قانون رقم 10 لسنة 1993 وتعديلاته على ما يلي:
"الصحافة والطباعة حرتان وحرية الرأي مكفولة لكل أردني وله أن يعرب عن رأيه بحرية القول والكتابة والتصوير والرسم وغيرها من وسائل التعبير والاعلام".
ولكن للأسف، فإن المواد التي تلي هذا النص تنقضه وتفرغه من مضمونه، وتجعل الإنسان عاجزا عن ممارسة حقه المنصوص عليه، لا بل في حالة رعب اذا عبر عن مكنونات نفسه كما هي فقرار المنع أو الاحالة إلى القضاء جاهز استنادا إلى المواد "5،7،38" من القانون كما يلي:
تنص المادة (5) على يلي: ( على المطبوعة تحري الحقيقة والالتزام بالدقة والحيدة والموضوعية في عرض المادة الصحفية والامتناع عن نشر ما يتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية وحقوق الإنسان وقيم الأمة العربية والإسلامية).
وتنص المادة (7) من القانون على ما يلي:
آداب مهنة الصحافة وأخلاقياتها ملزمة للصحفي وتشمل : 1- احترام الحريات العامة للآخرين وحفظ حقوقهم وعدم المس بحرمة حياتهم الخاصة.
2- اعتبار حرية الفكر والرأي والتعبير والاطلاع حقاً للصحافة والمواطن على السواء.
3- التوازن والموضوعية والنزاهة في عرض المادة الصحفية.
4- الامتناع من نشر كل ما من شأنه التحريض على العنف أو الدعوة إلى إثارة الفرقة بين المواطنين بأي شكل من الأشكال.
5- الامتناع عن جلب الإعلانات أو الحصول عليها.
6- الالتزام بأحكام ومبادئ الشرف.
أما المادة (38) فتنص على ما يلي :
يحظر نشر أي مما يلي:
1- ما يشتمل على تحقير أو قدح أو ذم إحدى الديانات المكفولة حريتها بالدستور أو الإساءة إليها.
2- ما يشتمل على التعرض أو الإساءة لأرباب الشرائع من الأنبياء بالرسم أو الصورة أو بالرمز أو بأي وسيلة أخرى.
3- ما يشكل إهانة الشعور أو المعتقد الديني أو اثارة النعرات المذهبية أو العنصرية.
4- ما يسيء لكرامة الأفراد وحرياتهم الشخصية أو ما يتضمن معلومات أو إشاعات كاذبة بحقهم.
هذه المحظورات تغطي كل عمليات التفكير، وهي نصوص فضفاضة وحمّالة أوجه، ويفسرها كل إنسان حسب ثقافته وموقفه الفكري أو الايديولوجي أو السياسي أو الاجتماعي، ولن أدخل في نقاشها، فقد يفعل أي من الزملاء ذلك، لكني أود أن أدخل في نقاش عملي مع دائرة المطبوعات والنشر واجراءاتها، وكيفية تطبيقها للقانون.
يعطي قانون المطبوعات والنشر مدير الدائرة صلاحيات واسعة تجعله يقبض على عنق كل العاملين في صناعة الكلمة ابتداء بالترخيص مرورا بالرقابة على ممارسة عملهم، وصولا إلى معاقبتهم، والعقوبات رادعة وقاسية.
وفيما يتعلق بالكتاب إليكم النصوص ذات العلاقة:
المادة "31"
ا-يتولى المدير اتخاذ الاجراءات اللازمة لتسهيل ادخال المطبوعات التي تصدر في الخارج الى المملكة وتوزيعها
ب-اذا تضمنت اي مطبوعة صادرة خارج المملكة ما يخالف احكام هذا القانون فللمدير ان يوقف ادخالها او توزيعها في المملكة وان يحدد عدد النسخ التي يسمح بتوزيعها على ان يتقدم الى المحكمة،وبصورة عاجلة،بطلب اصدار قرار مستعجل بمنع ادخالها او توزيعها او تحديد عدد النسخ الموزعة الى حين صدور قرار نهائي بهذا الشأن
المادة "34"
على مالك المطبعة او مديرها المسؤول بما في ذلك مطابع الصحف التقيد بما يلي:
أ‌- الاحتفاظ بسجل يدون فيه اسماء المطبوعات الدورية وعدد النسخ من كل مطبوعة يتم طباعتها.
ب‌- ب – الاحتفاظ بسجل يدون فيه بالتسلسل عناوين المؤلفات التي يطبعها واسماء اصحابها وعدد النسخ المطبوعة من كل منها. ج – ان يبرز للمدير أو من يفوضه هذه السجلات اذا طلب الاطلاع عليه.
المادة "35"
أ – على مؤلف أو ناشر أي كتاب يطبع أو ينشر في المملكة ان يودع نسخة منه لدى الدائرة. ب – اذا تبين للمدير ان الكتاب المطبوع في المملكة يتضمن ما يخالف احكام التشريعات النافذة فله بقرار من المحكمة مصادرته ومنعه من التداول. المادة "38"
يحظر نشر أي مما يلي: أ‌- مايشتمل على تحقير أو قدح او ذم احدى الديانات المكفولة حريتها بالدستور، او الاساءة اليها..
ب‌- ما يشتمل على التعرض او الاساءة لارباب الشرائع من الانبياء بالكتابة، او بالرسم، او بالصورة، او بالرمز او باي وسيلة اخرى.
ج – ما يشكل اهانة الشعور او المعتقد الديني، او اثارة النعرات المذهبية او العنصرية.
د – ما يسيء لكرامة الافراد وحرياتهم الشخصية او ما يتضمن معلومات او اشاعات كاذبة بحقهم.
بقراءة فاحصة لهذه المواد، نستنتج أن كل ما ينتج داخل الأردن وخارجه، وكل ما يسمح للمواطن الأردني بالاطلاع عليه، يخضع لقرار مدير دائرة المطبوعات والنشر وإن كانت النصوص تعطي المحكمة الحق باصدار الحكم النهائي. ولكن بالتطبيق العملي، يكون قرار مدير دائرة المطبوعات والنشر بمثابة قرار محكمة الدرجة الأولى، قابل للاستئناف، ولكن في معظم الاحيان لا يستأنف من قبل المتضررين لأسباب عدة أولها الخوف من العواقب، وثانيها عدم الثقة بالقرار الذي يمكن ان يصدر، وطول اجراءات التقاضي وكلفتها العالية. وبالنسبة للكتاب المستورد، شعور الموزع بأنه لن يتحمل تبعات الاضرار الناجمة عن اللجوء للقضاء لأن الكتب ليست من منشوراته، علما أن المادة "38" تفرض على مدير المطبوعات استصدار قرار مستعجل من المحكمة، لكن التهديد بأن القضية سترفع على المستورد وليس الكتاب ، يجعله يحجم، علما أن النص يتعلق بقرار يخص هذا الكتاب، بالمنع أو الاجازة ودون ان يتحمل المستورد اي تبعات.
أما فيما يخص الكتاب الأردني، فقد ألغى القانون الحالي الرقابة المسبقة، والتي كانت تعطي المتضرر حق اللجوء للمحكمة كما في القانون الحالي، واستبدلها بالرقابة اللاحقة حسب ما يفسرها مدير المطبوعات والنشر من خلال فرض ايداع الكتاب لدى الدائرة. لكن ما لا ينتبه إليه المدير ان القانون لا يحدد متى يكون الايداع،هل يكون قبل التوزيع،او فور الطباعة، أم في أي وقت لاحق، لذلك لا يجيز له رفع الدعوى على الناشرين أو المؤلفين أو المطابع بحجة عدم الايداع اذا تأخر، وفي نفس الوقت لا يحدد القانون المدة التي يجوز للمدير خلالها منع الكتاب من التداول ومصادرته ، مما يترك الحق للمدير باتخاذ قراره في أي وقت لاحق لصدور الكتاب، حتى بعد سنوات.
لقد فسرنا نحن العاملون في هذا المجال إلغاء الرقابة المسبقة بانه اشاعة للحرية وتجاوز للاحكام العرفية، لكنها تحولت إلى اداة رعب وارهاب، وأظن ان المشرع لم تتجه نيته إلى ارهاب المفكرين والمبدعين والناشرين.لذلك بدل ان نتقدم عدنا الى الوراء.
أما فيما يتعلق بالمادة "38" ونصوصها، فانها رغم إمكانية الاختلاف في تفسيرها، فإنها أقرب ما يكون إلى الوضوح فهي تمنع التحقير أو القدح أو الذم للديانات المكفولة بالدستور، ولا يوجد في اي كتاب حوّل إلى المحكمة قدح أو ذم، أو تحقير، وربما فيه نقد أو نقاش أو تفسير، فهل يجوز لخريج من كلية الشريعة ان يفسر ذلك على انه قدح وذم وتحقير.يجب اعطاء موظفي الدائرة دروسا قانونية في معنى هذه الكلمات ودلالاتها.
ما زال مدير دائر المطبوعات والنشر يطبق نص الماد "40" من القانون السابق الملغي والتي تحتوي على احدى عشر فقرة ناضلنا لالغائها، ونجحنا جميعا، ناشرون وصحافيون وكتاب في وأدها، فمثلا نصت الفقرة "7" من المادة "40" في القانون السابق على منع كلمات "تروج للانحراف أو تؤدي إلى فساد الاخلاق"، فكان بموجها يمنع اي كتاب فيه اشارات جنسية حتى لو كانت ضمن سياق ادبي رفيع،وتخلو مواد القانون الساري المفعول من اي اشارة إلى ذلك. كما ان القانون السابق كان يمنع النقد للنظام السياسي الاردني ورموزه واجهزته الامنية ، بينما يخلو القانون الحالي من ذلك. إذن، تغير القانون، ورغم ذلك، ينفذ مدير دائرة المطبوعات والنشر محظورات القانون السابق: ما يتعلق بالسياسة أو الدين أو الجنس.
ولكي نتخلص من هذه السطوة لمدير دائرة المطبوعات والنشر، فإننا نضم صوتنا إلى صوت رابطة الكتاب الاردنيين بضرورة إلغاء هذه الدائرة وقانون المطبوعات والنشر الذي اصبح شائعا في اوساط المدافعين عن الحرية "إنه قانون المحظورات والممنوعات والعقوبات والزجر".
وإلى أن يتم ذلك، نتمنى على الوزير المختص ان يوجه الدائرة للخلاص من اجواء المادة "40" في القانون السابق وأجواء الاحكام العرفية والتعامل بما يفيد الأردن، وهو ان يرتقي إلى أولى درجات سلم الترتيب العالمي في إتاحة الحرية التي تؤدي إلى الأمن السياسي والاجتماعي وليس العكس، فالأمن بدون حرية يشيع الفوضى والحركات الباطنية والسلوك الاجتماعي غير المعلن. كما نرجو من الوزير المختص منع مدير المطبوعات من اتخاذ صفة المدعي نيابة عن كل فئات المجتمع المدنية والخاصة والرسمية، فاذا كان في الكتاب نقد لاي جهة فلترفع هي الشكوى حتى لو كانت وزارة الاوقاف او جهاز امني .للمدير فقط ان يطلب من المحكمة تأكيد قرار المنع او نقضه دون تحويل الناشر والمؤلف وصاحب المطبعة للمحاكم.
وكلمة أخيرة: إن الرقابة اصبحت بلا جدوى في عالم عصري متطور تسوده ثورة المعلومات والاتصالات.
لنتحد جميعا من اجل الدفاع عن الحرية والتعددية وحق التعبير والنشر فتحي البس رابطة الكتاب الاردنيين 21-5-2009